الأحد، 31 يوليو 2016

مقال: لا تكن بخيلاً!



نُشر في صحيفة العالم اﻹسلامي العدد1305
الاثنين 22 رمضان 1413هـ

     "أي داء أدوأ من البخل" حكمة بالغة، وكلمة جامعة نطق بها من أُعطي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم.
     البخل من العادات القبيحة والخصال الذميمة المعروفة، وخير دليل على شناعته وقبحه أنه حتى من يتصف به لا يرضى أن يُوصف به.
     وقد ألف اﻷديب المعتزلي المشهور أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت255هـ) كتاباً كبيراً جمع فيه من قصص البخل والبخلاء نكتاً وحكايات طريفة في أسلوب أدبي شيق يجد قارئه فيه كثيراً من المتعة والطرفة وقد سماه "كتاب البخلاء".
وأصغر منه حجماً وأكثر منه نفعاً ما ألفه المحدث البغدادي المشهور أبو بكر علي بن ثابت الخطيب (ت463هـ) بالاسم نفسه وقد ذكر فيه اﻷحاديث الواردة في هذا الشأن، باﻹضافة إلى النكت والطرائف واﻷشعار واﻵثار وغيرها.
ولكن لا أريد اﻵن التحدث عن هذا النوع من البخل فإن أمره معروف، وقبحه واضح، والابتعاد عنه واجب، والتوغل فيه يحرم المرء من كثير من أبواب الخير في الدين والدنيا، ويجلب له كثيراً من الخزي والندامة.
     فما أقصده هنا هو بخل من نوع آخر لا ينتج عن شح في مال أو حرص في متاع دنيوي آئل إلى زوال. بل ينتج عن غفلة في القلب، وقلة الاهتمام باﻷمر، وذلك ما رواه الحسين بن علي -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليّ) رواه الترمذي وقال حسن صحيح. والنسائي وابن حبان وغيرهم.
وفي حديث ﻷبي ذر -رضي الله عنه- (إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل عليّ) رواه اسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
فالمحروم من حرم فضل الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-. والصلاة عليه لا يحتاج إلى بذل مال ولا جاه. ولا يتطلب جهداً. كلمات يرددها المرء بلسانه، ويقدر عليها كل غني وفقير وصغير وكبير، ومع ذلك بخل المرء فيه فلا شك أنه من أبخل الناس لا سيما وأنه بهذا البخل حرم نفسه من أجر كثير وفضل كبير.

     وللصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- فوائد كثيرة ومنافع عظيمة، تعود على المرء في دينه ودنياه، فكفاه شرفاً وفضلاً أنه يقوم بعمل قام به الرب ذو الجلال واﻹكرام أولاً، وملائكته ثانياً، ثم أمر به المؤمنين ثالثاً. فقد قال الله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) اﻷحزاب:56

    ووردت في فضل الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- أحاديث كثيرة لا يمكن إحصاؤها في هذه العجالة. وقد قام به أئمة اﻹسلام وحماة سنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فذكروها في كتبهم وأفردوها بالتصنيف والتأليف. فمن أقدم من ألف في هذا الموضوع اﻹمام اسماعيل بن اسحاق القاضي (ت582هـ) وسمى كتابه "فضل الصلاة على النبي صلى الله علبه وسلم" وكتابه محقق مطبوع.
وكذلك اﻹمام ابن أبي عاصم النبيل (ت287هـ) ولكن كتابه لا يعرف له وجود اﻵن.
    ومن أجمع وأحسن من ألف في هذا الموضوع اﻹمام ابن قيم الجوزية (ت751هـ) في كتابه "جلاء اﻷفهام في الصلاة والسلام على خير اﻷنام" واﻹمام السخاوي (ت902هـ) في كتابه "القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع"

     ومما ورد في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه عشراً) رواه مسلم وغيره.

قال البخاري: قال أبو العالية: صلاة الله تعالى ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء. وقال الترمذي: وروي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار.وعن ابن مسعود -رضي الله عنه-أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

    ياله من شرف!
صلاة ورحمة من رب العالمين
ورفقة وقربة من سيد المرسلين –صلى الله عليه وسلم-
    وياله من خسارة إذا حرم الانسان هذا الشرف والمنزلة؛ ولذلك ذمه المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليّ) رواه الترمذي وقال حديث حسن.


    وللصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- صيغ كثيرة، وردت في اﻷحاديث الصحيحة. ومن أجملها وأوفاها ما رواه البخاري في صحيحه عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ فقلت: بلى فأهدها لي. فقال: سألنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت فإن الله قد علمنا كيف نسلم. قال: قولوا: (اللهم صل على محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد) "6/ 408، حديث 3370"

     فحري بنا نحن معشر المسلمين أن نغتنم هذه الفرص ونحرص على هذا الفضل، وخاصة في أيام الجمع؛ فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن من أفضل أيامكم الجمعة، فيه خلق آدم فيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي...الحديث) رواه أبو داود وغيره.



الخميس، 28 يوليو 2016

مقال: صلوا والناس نيام




في معمعة الحياة، وفي معترك البقاء، وفي خضم اﻷعمال واﻷشغال، كثيراً ما تأتي على الانسان أوقات يُغان فيها على قلبه فينسى الهدف الذي من أجله وجد، ومن أجله سُخر له ما في السماوات واﻷرض. فيغفل ويطغى ويخطئ ويعصي فيظلم نفسه ويظلم غيره.

يغلب عليه الجشع، والطمع فينسى أنه غريب أو عابر سبيل
يغلب عليه حب الجاه والقوة والسيطرة فينسى أنه خُلق من ضعف


تغلب عليه الشهوات والنزوات فينسى أنه تحت مراقبة مستمرة وأن كل حركاته وسكناته تسجل في كتاب "لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها"

     ولكي يكون الإنسان دائماً على ذكر من ربه ومن حقيقته؛ شرع الله له أنواعاً من العبادات؛ فالإنسان في حاجة مستمرة إلى مراجعة حساباته، ومحاسبة نفسه؛ ليعلم إذا جنى في ليله ونهاره من خير أو شر من سعادة أو شقاء أو فلاح أو بوار.

ومن أفضل اﻷوقات لهذه المحاسبة حينما يخلو اﻹنسان بنفسه في وقت صفاء ونقاء، حينما تهدأ اﻷصوات، ويخيم الظلام على كل ما حواليه، يغط العالم في نومه العميق فيختفي ضجيج الحياة، فلا تسمع إلا آهات القلوب المؤمنة ترتفع إلى السماء فيكون لها دوي كدوي النحل، وأزيز كأزيز المرجل.

تلكم هي السويعات التي تتفتح فيها أبواب السماوات وتنزل الرحمات

ذلك حين ينزل الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وعظيم صفاته، فينادي عباده المؤمنين ليسألوه فيعطيهم، ويستغفروه فيغفر لهم. كما رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل اﻵخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)
وفي رواية جبير بن مطعم رضي الله عنه عند أحمد والنسائي وغيرهما: (ينزل الله في كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟)


ومن هنا تظهر أهمية هذه اللحظات المباركة، ويغتنمها العباد المؤمنون فتنسكب العبرات، وترتفع الزفرات، فيتلقاها رب السماوات واﻷرض بالرحمات، وأولئك هم الذين (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً) السجدة:16
وهم الذين (يبيتون لربهم سجداً وقياماً) و (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وباﻷسحار هم يستغفرون)
وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحرص على هذه اﻷوقات غاية الحرص، فكان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، وكان يصلي إحدى عشر ركعة، وكان يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً.

وكان يرغب المسلمين على اغتنام هذه الفرصة فكان يقول: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) وقال: (إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرا من أمر الدنيا واﻵخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة) رواه مسلم


ومن أجل الحرص على هذه اﻷوقات المباركة كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكره السهر بعد العشاء.
فعن أبي برزة -رضي الله عنه- (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها) متفق عليه.
إلا ما كان في مصلحة اﻹسلام والمسلمين، كطلب العلم والحديث عن مكارم اﻷخلاق، والحديث مع الضيف وطالب حاجة وغير ذلك كما بينه العلماء؛ جمعاً بين اﻷدلة (انظر رياض الصالحين ص611)


فإذا تغيرت المفاهيم، واختلت الموازين، وأصبح السهر الطويل في اللهو واللعب من سنن الحياة، ويظل المرء يسهر ويضيع أوقاته فيما لا ينفع، فإذا وصل ثلث الليل اﻵخر ونزل الجبار جل وعلا إلى السماء الدنيا هرع الساهرون إلى النوم العميق الذي قد لا ينقطع إلا بعد ارتفاع الشمس.

فحينذاك يجب على المؤمن أن يحرص على الاستفادة من هذه النفحات الربانية، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (أقرب ما يكون أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل اﻵخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) رواه الترمذي والحاكم وغيرهما.


والمحافظة على قيام الليل في رمضان آكد وأهم فقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرغب في ذلك ويقول: (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) أخرجه مسلم وغيره

وقد صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة القيام جماعة في رمضان عدة مرات، ولم يستمر عليها؛ خشية أن تفرض. ثم كان الناس يصلون فرادى، أو في مجموعات صغيرة، حتى جمعهم عمر -رضي الله عنه- على إمام واحد.

وكان الصحابة والتابعون وغيرهم من الصالحين يحرصون على قيام الليل في رمضان وغيره فكانت تلك السمة البارزة في مجتمعاتهم.
فإن استطعت يا أخي المسلم أن تكون منهم فكن..


9 / 9 / 1413هـ



الثلاثاء، 19 يوليو 2016

مقال: من أدغال الحضارة



كتبه: د/ عبدالعليم البستوي
1429هـ


الدَّغَلُ في اللغة: "الشجر الكثيف الملتف" أي ما يقال له اﻷَجَمة ونحوها.
وإن مثل هذه اﻷماكن تكون في الغالب ملاجئ ومخابئ للذئاب واﻷسود، وكل الضواري والقوارص واللواذع. كما يختبئ فيها أهل الفساد من اللصوص، وقطاع الطرق، والقناصة، والرماة من المحاربين، والقتلة، فينتظرون فريستهم فإذا دنت منها وأصبحت منهم على مرمى، ينقضون عليها ويقضون نهمتهم منها قتلاً وبغياً وفساداً. وهكذا بكل مكان يكمن فيه أهل الفساد والخديعة.

وقيل: الدَّغَل: كل موضع يُخاف فيه الاغتيال. والجمع أدغال ودِغال.

ومنه قول الشاعر:

سابرته ساعةً ما بي مخافتُه        إلا التَّلفُّتُ حولي هل أرى دَغَلا؟
وحيث إن اﻷدغال تستعمل في الغالب للفساد والمكر والخديعة؛ فقد أصبحت الكلمة مرادفة للفساد نفسه حتى بدأ صاحب لسان العرب بشرح الكلمة بقوله: " الدَّغَلُ بالتحريك: الفساد. وأَدغَلَ في اﻷمر. أدخل فيه ما يفسده"

واﻷدغال تكثر حيثما تكثر اﻷشجار والغابات، وخاصة في المناطق الاستوائية التي تكثر فيها اﻷمطار من بلدان أفريقيا حتى وكأن كلمة أدغال أصبحت ملازمة لأفريقيا فكلما تطرق سمع الانسان كلمة "اﻷدغال" ينصرف ذهنه فوراً إلى أفريقيا.

ولكن الواقع أن اﻷدغال ليست خاصة بأفريقيا، بل إنها توجد في معظم مناطق العالم حيث تكثر الغابات واﻷمطار،

وقد تسكن مجموعات من البشر في مناطق تلك اﻷدغال وما جاورها من الغابات والمناطق المهجورة.

ويعاني سكان اﻷدغال في الغالب من شظف العيش، والفقر المدقع، فلا تؤويهم إلا اكواخ متهالكة متقطعة لا تحميهم من الحر ولا اﻷمطار ولا العواصف، أجسادهم عارية أو شبه عارية، ألوانهم سوداء باهتة، وقد لا يجدون من المآكل والملبس إلا ما تنتجه أشجار الغابات، أو ما يتمكنون من سلبه ونهبه من القبائل المجاورة أو القوافل المارة، أو ما يصطادونه من من الحيوانات والطيور.

ولكن هناك أنواع أخرى من اﻷدغال في مناطق أخرى من هذا العالم يظن أصحابها أنهم بلغوا قمة المدنية والحضارة، وأوج التقدم والرقي والازدهار، ولكنهم يفوقون كثيراً أصحاب أدغال الغابات في المكر والخديعة والتآمر ضد الآخرين؛ فأصحاب أدغال الغابات يهجمون على أعدائهم أو فرائسهم بأسلحتهم البدائية من اﻷسهم والنبال والرماح والسيوف فيصيبون بها أعداداً محدودة ويغنمون غنائم ضئيلة.
أما أصحاب أدغال الحضارة فإن ترساناتهم ومخازنهم تحوي من أسلحة الفتك والدمار ما يكفي لتدمير العالم كله في ساعات قليلة.
وإنهم ينقضون على فرائسهم بالصواريخ والقنابل والدبابات والطائرات فيدمرون شعوباً بأكملها، ويحرقون بلداناً بما فيها، ويسلبون من خيراتها ومكتسباتها ما لا يعد ولا يحصى. وكفاهم فخراً أن حرباً واحدة منهم في أواسط القرن الماضي قضت على ما يزيد عن أربعين مليون نسمة وما زال دغلهم يشتد ويتوسع ويبلغ بلداناً وشعوباً واحدة تلو اﻷخرى.


وإذا قارنا بين الحياة الاجتماعية لكل من نوعي اﻷدغال:

 نجد أن سكان أدغال الغابات يعيشون في مجموعات صغيرة يغلب عليهم الفقر، فأجسادهم نحيفة، وملابسهم بالية لا تكاد تستر عوراتهم؛ ﻷنهم لا يجدون من الملابس المحتشمة ما يسترهم.
أما أصحاب أدغال الحضارة فعلى الرغم من توفر أحسن أنواع الملابس لديهم يتجمعون في مجموعات مختلطة عراة أو أشباه عراة على الشواطئ والحدائق وأماكن الترفيه والسياحة بمحض إرادتهم ورغبتهم ويعتبرون ذلك من الحرية الشخصية والمتعة الاجتماعية.


وإذا جئنا إلى مجال الفكر والعقيدة:


نجد أن أصحاب أدغال الغابات يعبدون اﻷصنام واﻷوثان واﻷشجار، ولا يؤمنون بالحياة اﻷخروية، أو لديهم تصورات مشوهة عن حياة أخرى كتناسخ اﻷرواح وما شابه ذلك.


وكذلك أصحاب أدغال الحضارة فإنهم يعبدون التماثيل واﻷخشاب والصلبان، ولا يؤمن أكثرهم بالحياة اﻷخروية، وكذلك فإن المحظوظ عندهم من يغتنم فرصة هذه الحياة ويتمتع بأكبر قدر ممكن من المتع واللذات.


أما في مجال الحياة اﻷخلاقية:

 فإن أصحاب أدغال الغابات تكثر عندهم المنكرات نتيجة العري والتفسخ الموجود بينهم، ولكن أصحاب أدغال الحضارة يفوقونهم في هذه اﻷمور بأضعاف.


وبعد هذه المقارنة السريعة نرى أنه لا فرق بين أصحاب أدغال الغابات وبين أصحاب أدغال الحضارات، سوى أن الأولين أجسادهم جافة، وألوانهم باهتة، وأن اﻵخرين أجسادهم طرية ناعمة، وألوانهم متفتحة، وأنهم يفوقون اﻷولين كثيراً في الدغل والمكر والخديعة والتآمر؛ ﻹهلاك الشعوب اﻷخرى، وتدمير أوطانها ومكتسباتها، وسلب ونهب خيراتها بمختلف الطرق والوسائل، ومع ذلك يزعمون أنهم بلغوا قمة الحضارة وذروة الرقي والتقدم فهل هذه هي الحضارة؟

إن سكان أدغال الغابات إذا قتلوا نفساً ربما يفرحون ويرقصون أمام جثته. أما أصحاب أدغال الحضارة فإنهم يقتلون شعوباً بأكملها ثم يتظاهرون بالرثاء لهم والبكاء عليهم.
يملؤون الشوارع والأزقة بالدماء واﻷشلاء، ثم يملؤون شاشات وسائل اﻹعلان وصفحاتها بدموع التماسيح.
يقتلون الشعوب بأكملها بالجوع والعطش، ويحرمون اﻷطفال الرضع من الحليب والغذاء، والمرضى من اﻷدوية واﻹسعافات، ثم يعقدون مؤتمرات تنادي برفع الحيف والظلم عن تلك الشعوب.
يرفعون رايات اﻷمن والسلام للعالم من يد، بينما اليد الأخرى تمد كل الفتن والحروب باﻷسلحة والمتفجرات لتزداد اشتعالاً وضراوة.


ما أحوج سكان هذه اﻷدغال بنوعيها إلى حضارة اﻹسلام المبنية على اﻷمان والسلام والحرية والعدالة والمساواة في هذه الدنيا ثم النجاة في اﻵخرة.


وإنهم في أمس الحاجة إلى من ينشر لهم رسالة الأمن والسلام، رسالة الإسلام. فهل نحن فاعلون؟



الاثنين، 18 يوليو 2016

مقال: إلى الجنة بالسلاسل


كتبه: د/ عبدالعليم البستوي.

نُشر في صحيفة العالم اﻹسلامي الصادرة عن رابطة العالم الإسلامي، العدد1894، الاثنين 13 جمادى اﻷولى 1426 .


الحروب!!
ما أشدها وأقساها، تأكل اﻷخضر واليابس إذا دارت رحاها، ويلاتها كبيرة، ومآسيها كثيرة، ناهيك من القتل والهدم والتدمير، والبطش والتشريد والتهجير، ثم استمرار السلب والنهب بحجة إعادة التعمير.
نيرانها لا تخبو إلا ما تأتى على الغالي والثمين، وجراحها لا تندمل إلا بعد عشرات السنين.
ولكن أشد الناس اصطلاماً بنيران الحروب وضرامها، وأكثرهم تعرضاً لنكالها، هم أولئك البؤساء الذين يقعون أسرى لدى الجيوش المتحاربة فيتجرعون من كؤوس المرارة واﻵلام، ويذوقون من صنوف التعذيب واﻹيلام ما يندى له جبين البشرية، وقد يستمرذلك سنوات طويلة حتى يتمكنوا من الخروج منها بسلام.

ولقد اهتم اﻹسلام -الذي أنزله الله هدى ورحمة للبشرية إلى يوم القيامة- بهذه القضية اﻹنسانية غاية الاهتمام، وضرب المسلمون في حسن التعامل مع اﻷسرى أروع الأمثلة يعجز التاريخ عن تقديم مثال لها لدى اﻷمم اﻷخرى.
لقد وقع سبعون من صناديد الكفر والطغيان أسرى لدى المسلمين في غزوة بدر، فوزعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيوت أهل المدينة وأوصى المسلمين بإحسان المعاملة معهم.
وكان من بين هؤلاء اﻷسرى أبو عزيز بن عمير حامل راية المشركين في الحرب.
يقول أبو عزيز: كنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا من بدر. فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر، لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، قال: فاستحي فأردها على أحدهم، فيردها علي، ما يمسها. (السيرة لابن هشام)


إن هذا السمو في التعامل مع اﻷعداء كان يأسر قلوبهم قبل أبدانهم فكانوا يرجعون بعد إطلاق سراحهم طائعين مختارين فيدخلون في دين الله بمحض إرادتهم وحريتهم.



لقد وقع ثمامة بن أثال -سيد أهل اليمامة- أسيراً لدى المسلمين في إحدى السرايا فأتى به وربط بسارية من سراري المسجد.
ومر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي يا محمد خير، إن تقتل ذا دم، وإن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت).
فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتكرر هذا المشهد ثلاثة أيام. في كل يوم يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما قال، ويجيبه ثمامة بمثل ما أجاب في اليوم اﻷول.
وفي اليوم الثالث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أطلقوا ثمامة) فاطلق سراحه. وخرج ثمامة. ولكن فوجئ المسلمون بثمامة عائداً بعد قليل.

لقد ذهب إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
يا محمد والله ما كان على وجه اﻷرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي. والله ما كان دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إلي) الحديث. رواه البخاري ومسلم واللفظ له.

وفي التاريخ اﻹسلامي أمثلة كثيرة من هذا النوع يصعب حصرها وإحصاؤها.


الأحد، 17 يوليو 2016

كتاب: فوائد في علوم الحديث وكتبه وأهله




هذا الكتاب هو في الأصل الباب الأول من مقدمة
(تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي
لأبي العلى محمد عبدالرحمن المباركفوري

حققه وعَلّق عليه د/ عبدالعليم البستوي


حجم الكتاب ٢٠٠ ميغا
للتحميل :  اضغط هنا

وهذا مقطع تعريفي للكتاب:



كتاب: (محمد بن عبدالوهاب) مصلح مظلوم ومفترى عليه



شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب
مصلح مظلوم ومفترى عليه

تأليف: الأستاذ مسعود الندوي


ترجمة وتعليق: د/ عبدالعليم البستوي





كتاب: سيرة الإمام البخاري



سيرة الإمام البخاري (سيد الفقهاء وإمام المحدثين)

تأليف: الشيخ عبدالسلام المباركفوري



نقله إلى العربيه وعلق عليه : د/ عبدالعليم البستوي