الأربعاء، 21 يونيو 2017

مقال: المفلسين




نُشر في مجلة الرابطة - العدد ٤٥٧ - صفر ١٤٢٤هـ

ما أشد ذلك الموقف وما أحرجه !
رجل غني، ثري، يملك من عرض الدنيا الشيء الكثير،
وله من الجاه والقوة والعزة والمنعة ما يغبطه عليه الآخرون ويتمنون أن يكون لهم شيء من مثل ما لهذا.
يا ليت لنا مثل ما أوتي فلان!




ليس هذا فحسب !
بل له النصيب الوفير من الدين والخير ووجوه البر والإحسان أيضاً.
وله من الصلاة والصوم والزكاة وغيرها من الحسنات ما يشار إليه بالبنان.

ولكنه مع كل هذا متهاون في جانب من جوانب حقوق الإنسان على أخيه الإنسان.
لا يلقي له بالاً، ولا يشعر أنه سيكون عليه وبالاً.

فيأكل حقوق الناس ولا يبالي.
وينال من أعراضهم وأنفسهم بالسب والشتم والإيذاء دون خوف ولا وجل.
كيف وانه القوي العزيز الذي لا يقاوم، وهو العزيز الكريم الذي لا يلام على ما اجترح واكتسب،
يظلم الناس فلا يستطيعون أن ينبسوا عليه ببنت شفة أمام سطوته وقوته.
يتطاول عليهم بيده ولسانه وأعوانه فلا يستطيعون أن يحركوا ساكناً أمام شوكته وجبروته.


بل قد يجد ممن حوله من يكيل له من المدح والثناء وتنظم له من القصائد والمدائح ما يتسابق فيه الفصحاء والبلغاء.


ولكن في ذلك اليوم يجد هذا الإنسان نفسه في غاية الضيق والشقاء.
ويفقد فيه كل ما كان لديه من الجاه والمال والقوة والمنعة.
يحيط به الغرباء من كل جانب فيطالبون بحقوقهم وما استباح من أعراضهم وأموالهم.



ذلك اليوم الذي حذرنا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (أتدرون من المفلس؟
قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع.
قال: المفلس من أتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم وطرحت عليه، ثم طرح في النار)


إن الظلم والبغي في الأرض
وأكل أموال الناس بالباطل
والنيل من دمائهم وأعراضهم بالقتل
أو حتى الإيذاء بالسب والشتم
أمر خطير جداً
فإنه من حقوق العباد التي لا تغفر حتى بالتوبة.

وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة تحذر من الظلم والبغي، فما أشد قوله تعالى:





فأغننا اللهم بحلالك عن حرامك
وبفضلك عمن سواك

ولا تجعلنا من المفلسين يوم يقوم الناس لرب العالمين.


الأحد، 18 يونيو 2017

مقال: أذلة على المؤمنين






نُشر في مجلة رابطة العالم الإسلامي
العدد ٤٥٨
ربيع أول ١٤٢٤هـ


الذل والهوان من الصفات الذميمة،
والخصال المهينة،
التي لا يرضاها الإنسان لنفسه ولا لأهله أو لأحد ممن يحبه.

قال في لسان العرب: الذُّل: نقيض العز.
وفي القاموس المحيط: ذَلَّ يذل ذُلاً وذُلالة -بضمها- وذِلة -بالكسر- وتذلة وذلالة: هان.
فإذا كان الذل هو الهوان وانتفاء العز والشرف فأي عاقل يرضى به لنفسه أو لأهله وعشيرته.


وقد وردت هذه الكلمة في الكتاب والسنة في مواضع كثيرة.
في موضع الذم كما وردت في وصف الكفار حينما يرون مصيرهم المظلم يوم القيامة فيصيبهم من الخزي والهوان ما لا يوصف كقوله تعالى: [خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون] المعارج : ٤٤
أو في وصف أقوام عصوا الله ورسله فآذوا رسلهم أو قتلوهم كقوله تعالى: [وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله] البقرة : ٦١


ولكن الكلمة نفسها استعملت في موضع المدح أيضاً
وهو ما أقصده هنا،
فقد قال تعالى: [واخفض لهما جناح الذل من الرحمة] الإسراء : ٢٤
قال ابن كثير: أي تواضع لهما بعقلك.

وفي سورة المائدة: [يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين]





ومن هنا عرفنا أن من صفات المؤمنين الكاملين أنهم أذلاء أمام إخوانهم المسلمين.
متواضعون لهم.

وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: 



والتواضع ليس منقبة خيالية مثالية يدعيها كل إنسان أو يزعمها في نفسه.
بل التواضع ممارسة سلوكية عظيمة تظهر آثارها فيمن يتصف بها في كل حين.


فالتواضع هو التصاغر.
فإذا التقى المسلمان ورأى كل واحد منهما في نفسه أنه أصغر من أخيه فهما متواضعان.




وإذا التقى المسلمان فتسابق كل واحد منهما بالسلام على أخيه فإنهما متواضعان، والبادئ بالسلام أفضل.




وإذا التقى المسلمان في أماكن التزاحم والتدافع فحاول كل منهما أن يتأخر بنفسه ويؤثر أخاه عليه فإنهما متواضعان.




وهكذا في كثير من المواقف يظهر أثر التواضع على الإنسان.







وانتشار التواضع في المجتمع يورث المودة والمحبة والأخوة والتعاون والتكاتف، فيصبح المجتمع بالفعل كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كالبنيان يشد بعضه بعضاً) و (كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).


وعند فقدان التواضع يكثر في المجتمع التكبر والتفاخر، والتنافر والبغض والحسد والكراهية بين الناس.
وهي من أعظم أسباب الفساد في المجتمع.
وإننا بالتواضع نستطيع أن نعالج كثيراً من المفاسد المنتشرة..






فاجعلنا اللهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين..


الخميس، 15 يونيو 2017

مقال: عدو خفي




نُشر في مجلة رابطة العالم الإسلامي
العدد ٤٤٧
محرم ١٤٢٣ - ابريل ٢٠٠٢


عدو لدود، شرس مكار،
معلن بتحديه، لا يداهن ولا يكتم،
مجاهر بعدائه،
معروف بمكره ودهائه،
لا يفتر ولا يمل،
شره متواصل وكيده يغري كل غافل.


يملك جيشاً عَرَمرَماً يفوق عدد خيله ورجله عدد البشر كلهم، سلط جندياً من جنوده على كل إنسان، يلازمه ليل نهار، ويراقبه في كل حركاته وسكناته، ومع ذلك تبقى لديه كتائب وفيالق أخرى للمهمات الخاصة والعامة، يملك من العدة والعتاد وأسلحة الفتك والدمار ما لا يوجد مثله لدى أي قوة أخرى في العالم.


كل ما يوجد على وجه المعمورة من قوى الشر والطغيان فإنه من فيضه يقتبس،
ومن وحيه يتصرف، ومن ناره يستنير.

تصل ضرباته إلى القلب والجنان، والعقل واللسان، وتظهر آثارها على الجوارح والأركان، ومع ذلك تبقى ضحاياه حية ترزق كأن لم يصل إليها سهم ولا سنان، بل قد ترغب وتتمنى المزيد من تلك الضربات الموجعة، والهجمات الفتاكة التي لا تشعر بآلامها المبرحة إلا بعد فوات الأوان فيندم ولات حين مندم.


تنتشر قواته في البر والبحر،
وتجوب الفضاء تخطف الخطفة من عنان السماء، حتى يتبعها شهاب ثاقب، دحوراً ولهم عذاب واصب.


يضع عرشه فوق عباب البحر، ويعقد اجتماعات مع جنرالاته وقواده لوضع استراتيجيات الإفساد والإضلال، وتدارس ما تم تنفيذه من خطط التخريب والتدمير، فيثني على المنجزين في تنفيذ مهماتهم، ويعاتب المقصرين والفاشلين.



أحد جنرالاته يقال له: خنزب.
مكلف بمهمة خطيرة، وهي إفساد صلوات المسلمين.




فبمجرد دخول المسلم في صلاته يتعرض له خنزب فيوسوس له ويذكره بأمور تلهيه عن معاني الصلاة، وتشغل باله عن أدائها كما ينبغي، وتصرف قلبه عن الخشوع لله والإنابة إليه بالذكر والدعاء، فيقوم الإنسان في صلاته يركع ويسجد ويقرأ القرآن والأدعية والأذكار كالآلة المتحركة دون أن يعي ما يقول، وقد لا يذكر كم صلى، وينصرف من الصلاة وما يكتب له إلا عشرها أو تسعها أو أقل من ذلك، إذ ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل.

ولذلك ينبغي للمسلم أن يكون على حذر من التأثيرات الخنزبية على صلاته؛ لأنه عندما يصلي فهو يناجي ربه فيقبل عليه ربه عز وجل  فلا يليق به أن ينصرف بقلبه وعقله من مناجاة ربه إلى أمور أخرى.



ما قلته ليس من نسج الخيال ولا للتسلية أو راحة البال.
بل هو مأخوذ من مشكاة من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
ولقد وردت في هذا الموضوع أحاديث عدة غير أني أكتفي هنا بذكر حديث واحد فقط.

فقد جاء الصحابي عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها عليّ.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله، واتفل على يسارك ثلاثاً"
قال: ففعلت ذلك فأذهب الله عني. رواه مسلم (2203)

قال النووي: معنى يلبسها: أي يخلطها ويشككني فيها.
ومعنى حال بيني وبينها: أي نكدني لذتها.
وفي هذا الحديث استحباب التعوذ من الشيطان عند وسوسته، مع التفل على اليسار.

الأربعاء، 7 يونيو 2017

دراسة علمية: سَقَطَاتُ هَشِيمِ المُحتَظَر كتاب الشيخ عداب الحمش في المهدي المنتظر






سَقَطَاتُ هَشِيمِ المُحتَظَر

كتاب الشيخ عداب الحمش في المهدي المنتظر

 


دراسة لشبهاته وانتقاداته الخاطئة للأحاديث الثابتة في المهدي 




للدكتور/ عبدالعليم عبدالعظيم البستوي

رحمه الله وغفر له




( جمعاً من مجلة صوت الأمة )


للتحميل :  اضغط هنا فضلاً