الاثنين، 18 يوليو 2016

مقال: إلى الجنة بالسلاسل


كتبه: د/ عبدالعليم البستوي.

نُشر في صحيفة العالم اﻹسلامي الصادرة عن رابطة العالم الإسلامي، العدد1894، الاثنين 13 جمادى اﻷولى 1426 .


الحروب!!
ما أشدها وأقساها، تأكل اﻷخضر واليابس إذا دارت رحاها، ويلاتها كبيرة، ومآسيها كثيرة، ناهيك من القتل والهدم والتدمير، والبطش والتشريد والتهجير، ثم استمرار السلب والنهب بحجة إعادة التعمير.
نيرانها لا تخبو إلا ما تأتى على الغالي والثمين، وجراحها لا تندمل إلا بعد عشرات السنين.
ولكن أشد الناس اصطلاماً بنيران الحروب وضرامها، وأكثرهم تعرضاً لنكالها، هم أولئك البؤساء الذين يقعون أسرى لدى الجيوش المتحاربة فيتجرعون من كؤوس المرارة واﻵلام، ويذوقون من صنوف التعذيب واﻹيلام ما يندى له جبين البشرية، وقد يستمرذلك سنوات طويلة حتى يتمكنوا من الخروج منها بسلام.

ولقد اهتم اﻹسلام -الذي أنزله الله هدى ورحمة للبشرية إلى يوم القيامة- بهذه القضية اﻹنسانية غاية الاهتمام، وضرب المسلمون في حسن التعامل مع اﻷسرى أروع الأمثلة يعجز التاريخ عن تقديم مثال لها لدى اﻷمم اﻷخرى.
لقد وقع سبعون من صناديد الكفر والطغيان أسرى لدى المسلمين في غزوة بدر، فوزعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيوت أهل المدينة وأوصى المسلمين بإحسان المعاملة معهم.
وكان من بين هؤلاء اﻷسرى أبو عزيز بن عمير حامل راية المشركين في الحرب.
يقول أبو عزيز: كنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا من بدر. فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر، لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، قال: فاستحي فأردها على أحدهم، فيردها علي، ما يمسها. (السيرة لابن هشام)


إن هذا السمو في التعامل مع اﻷعداء كان يأسر قلوبهم قبل أبدانهم فكانوا يرجعون بعد إطلاق سراحهم طائعين مختارين فيدخلون في دين الله بمحض إرادتهم وحريتهم.



لقد وقع ثمامة بن أثال -سيد أهل اليمامة- أسيراً لدى المسلمين في إحدى السرايا فأتى به وربط بسارية من سراري المسجد.
ومر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي يا محمد خير، إن تقتل ذا دم، وإن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت).
فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتكرر هذا المشهد ثلاثة أيام. في كل يوم يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما قال، ويجيبه ثمامة بمثل ما أجاب في اليوم اﻷول.
وفي اليوم الثالث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أطلقوا ثمامة) فاطلق سراحه. وخرج ثمامة. ولكن فوجئ المسلمون بثمامة عائداً بعد قليل.

لقد ذهب إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
يا محمد والله ما كان على وجه اﻷرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي. والله ما كان دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إلي) الحديث. رواه البخاري ومسلم واللفظ له.

وفي التاريخ اﻹسلامي أمثلة كثيرة من هذا النوع يصعب حصرها وإحصاؤها.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق