الخميس، 28 يوليو 2016

مقال: صلوا والناس نيام




في معمعة الحياة، وفي معترك البقاء، وفي خضم اﻷعمال واﻷشغال، كثيراً ما تأتي على الانسان أوقات يُغان فيها على قلبه فينسى الهدف الذي من أجله وجد، ومن أجله سُخر له ما في السماوات واﻷرض. فيغفل ويطغى ويخطئ ويعصي فيظلم نفسه ويظلم غيره.

يغلب عليه الجشع، والطمع فينسى أنه غريب أو عابر سبيل
يغلب عليه حب الجاه والقوة والسيطرة فينسى أنه خُلق من ضعف


تغلب عليه الشهوات والنزوات فينسى أنه تحت مراقبة مستمرة وأن كل حركاته وسكناته تسجل في كتاب "لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها"

     ولكي يكون الإنسان دائماً على ذكر من ربه ومن حقيقته؛ شرع الله له أنواعاً من العبادات؛ فالإنسان في حاجة مستمرة إلى مراجعة حساباته، ومحاسبة نفسه؛ ليعلم إذا جنى في ليله ونهاره من خير أو شر من سعادة أو شقاء أو فلاح أو بوار.

ومن أفضل اﻷوقات لهذه المحاسبة حينما يخلو اﻹنسان بنفسه في وقت صفاء ونقاء، حينما تهدأ اﻷصوات، ويخيم الظلام على كل ما حواليه، يغط العالم في نومه العميق فيختفي ضجيج الحياة، فلا تسمع إلا آهات القلوب المؤمنة ترتفع إلى السماء فيكون لها دوي كدوي النحل، وأزيز كأزيز المرجل.

تلكم هي السويعات التي تتفتح فيها أبواب السماوات وتنزل الرحمات

ذلك حين ينزل الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وعظيم صفاته، فينادي عباده المؤمنين ليسألوه فيعطيهم، ويستغفروه فيغفر لهم. كما رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل اﻵخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)
وفي رواية جبير بن مطعم رضي الله عنه عند أحمد والنسائي وغيرهما: (ينزل الله في كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟)


ومن هنا تظهر أهمية هذه اللحظات المباركة، ويغتنمها العباد المؤمنون فتنسكب العبرات، وترتفع الزفرات، فيتلقاها رب السماوات واﻷرض بالرحمات، وأولئك هم الذين (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً) السجدة:16
وهم الذين (يبيتون لربهم سجداً وقياماً) و (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وباﻷسحار هم يستغفرون)
وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحرص على هذه اﻷوقات غاية الحرص، فكان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، وكان يصلي إحدى عشر ركعة، وكان يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً.

وكان يرغب المسلمين على اغتنام هذه الفرصة فكان يقول: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) وقال: (إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرا من أمر الدنيا واﻵخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة) رواه مسلم


ومن أجل الحرص على هذه اﻷوقات المباركة كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكره السهر بعد العشاء.
فعن أبي برزة -رضي الله عنه- (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها) متفق عليه.
إلا ما كان في مصلحة اﻹسلام والمسلمين، كطلب العلم والحديث عن مكارم اﻷخلاق، والحديث مع الضيف وطالب حاجة وغير ذلك كما بينه العلماء؛ جمعاً بين اﻷدلة (انظر رياض الصالحين ص611)


فإذا تغيرت المفاهيم، واختلت الموازين، وأصبح السهر الطويل في اللهو واللعب من سنن الحياة، ويظل المرء يسهر ويضيع أوقاته فيما لا ينفع، فإذا وصل ثلث الليل اﻵخر ونزل الجبار جل وعلا إلى السماء الدنيا هرع الساهرون إلى النوم العميق الذي قد لا ينقطع إلا بعد ارتفاع الشمس.

فحينذاك يجب على المؤمن أن يحرص على الاستفادة من هذه النفحات الربانية، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (أقرب ما يكون أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل اﻵخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) رواه الترمذي والحاكم وغيرهما.


والمحافظة على قيام الليل في رمضان آكد وأهم فقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرغب في ذلك ويقول: (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) أخرجه مسلم وغيره

وقد صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة القيام جماعة في رمضان عدة مرات، ولم يستمر عليها؛ خشية أن تفرض. ثم كان الناس يصلون فرادى، أو في مجموعات صغيرة، حتى جمعهم عمر -رضي الله عنه- على إمام واحد.

وكان الصحابة والتابعون وغيرهم من الصالحين يحرصون على قيام الليل في رمضان وغيره فكانت تلك السمة البارزة في مجتمعاتهم.
فإن استطعت يا أخي المسلم أن تكون منهم فكن..


9 / 9 / 1413هـ



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق